الشيخ محمد هادي معرفة

156

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

للحصول على الثمرة . فقد تصوّر الفائدة أوّلًا واشتاقتها نفسه ، فعمد - باختياره وإرادته الخاصّة - إلى ترتيب المقدّمات المنتجة لما كان يتوخّاه . وهذا دليل اختياره العمل . ومن ثمّ تقع تبعات كلّ عمل اختياري على عاتق العامل ، ويكون هو المسؤول عنها مدحا أو ذمّا ، مثوبة أو عقوبة . حتّى في مثل الإيلاد ، لولا أنّه واقع امرأته لما حصل الولد ، ويكون حصول الولد منتسبا إليه بالذات . فلو فرضنا أنّ عملًا خارجيا يوصف بالقبح أو الحسن ، فإنّ المسؤول عن ذلك هو العامل ، ولا يمكنه الاعتذار بأنّ أكثر القوى العاملة في تكوينه كانت خارجة عن اختياره ، حيث كانت تلك القوى بأنفسها معدّات ومقتضيات ، أمّا الذي وافق بينها وأوجد شرط تفاعلها مع البعض ، فهو هذا العامل الذي عمد باختياره إلى إيجاد شرط الوجود . وأمّا وجه انتسابها إلى اللّه تعالى ، فمن جهة أنّ القوى العاملة في تكوين الأشياء ، كلّها مخلوقة ومقدّرة بقدرة اللّه ، وهو الذي أكسبها تلك الخاصيات بحيث إذا تقاربت مع بعضها تفاعلت في الإيجاد والتكوين وهو تعالى لا يزال يمدّها بتلك الخاصيات وفق مامنحها أوّلًا ، فهو تعالى كما أفاض عليها حدوثا ، هو يمدّها بالإفاضة بقاء ، فلا تزال تلك القوى تستمدّ - في تأثيراتها المتواصلة طول وجودها - من فيوضه تعالى المتواصلة ، سنّة اللّه التي جرت في الخلق . وهذا هو الذي يعبّر عنه ب - « إذن اللّه » في لسان الشريعة المقدّسة . فلولا أنّه تعالى يمدّ القوى في تأثيراتها آنا فآنا ، لما أمكنها التأثير شيئا أصلًا . وليس معنى إيداعه تعالى الخاصية في شيء : أنّه أودعها فيه وتركها تعمل بذاتها وتؤثّر بنفسها فيما بعد إن هذا إلّا التفويض الذي يتحاشاه مذهب أهل الحقّ . بل كما أودعها اللّه حدوثا ، فهو تعالى لا يزال يمدّها بتلك الخاصية والتأثير بقاء حسب الآنات باستمرار . فكلّ قوّة من القوى الطبيعية إذا أثّرت في شيء ، فإنّ هذا التأثير يعود إلى إذنه تعالى ، حيث أمدّها بخاصية ذلك التأثير في نفس الوقت ولولاه لما أمكنها التأثير إطلاقا . قال